مرتضى الزبيدي

241

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين

إذا خلق ولده وعقل وخلق اللّه له علما متعلقا بما في قلب أبيه من الطلب صار مأمورا بذلك الطلب الذي قام بذات أبيه ودام وجوده إلى وقت معرفة ولده له ، فليعقل قيام الطلب الذي دل عليه قوله عز وجل : فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ [ طه : 12 ] بذات اللّه ومصير موسى عليه السّلام مخاطبا به بعد وجوده إذ خلقت له معرفة بذلك الطلب ، وسمع لذلك الكلام القديم . وقد أشار المصنف إلى انتفاء المانع بقوله : ( وكما عقل قيام طلب العلم وإرادته بذات الوالد للولد قبل أن يخلق ولده حتى إذا ) فرض أنه ( خلق ولده وعقل ) الأشياء ( وخلق اللّه سبحانه وتعالى له علما بما قام في قلب أبيه من ) ذلك ( الطلب صار ) ذلك الولد ( مأمورا بذلك الطلب الذي قام بذات أبيه ودام وجوده إلى وقت معرفة ابنه ) . فإن قيل : القائم بذات الأب العزم على الطلب وتخيله لا نفس الطلب لأن وجود الطلب بدون من يطلب منه شيء محال . قلنا : المحال طلب تنجيزي لا معنوي قائم بذات من هو عالم بوجود المطلوب منه وأهليته وكلامنا فيه ، والعلم بهما كاف في اندفاع الاستحالة . ( فليعقل قيام الطلب الذي دل عليه قوله عز وجل : فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ [ طه : 12 ] بذات اللّه ) تعالى أزلا ( ومصير موسى عليه السّلام مخاطبا به ) أي بذلك الطلب ( بعد وجوده ) أي بعد وجود السيد موسى . ( إذ خلقت له معرفة بذلك ) الطلب ، ( وسمع لذلك الكلام القديم ) وسمع يتعدى باللام تارة كما جرى عليه المصنف ، ومثله سمع اللّه لمن حمده وبلا لام أخرى ، ومنه : قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجادِلُكَ [ المجادلة : 1 ] وهذا قول الأشعري ، وأنكر الماتريدي سماعه الكلام النفسي وعنده أنه سمع صوتا دالا على كلام اللّه تعالى . وقد تقدم الاختلاف فيه ، وفي التذكرة الشرقية لأبي نصر بن القشيري . فإن قيل : فهل تسمون كلام اللّه تعالى في الأزل أمرا ونهيا ؟ قلنا : بلى هو أمر بشرط وجود المأمور به ونهي بشرط وجود المنهي . فإن قيل : فكيف يؤمر من هو معدوم ، وكيف قال لموسى عليه السّلام ( اخلع نعليك ) وهو بعد في كتم العدم ؟ قلنا : إنما هو أمر بشرط الوجود أي إذا كنت وعقلت فافعل كذا ، فالمأمور يدخل في الوجود بعد أن لا يكون موجودا فالمتجدد عائد إليه لا إلى كلام الباري سبحانه ، وهذا كما أن اللّه سبحانه كان عالما بأن العالم سيكون ، والآن فهو عالم بأن العالم كائن ، ثم علمه لم يتغير ولم يتجدد بل تجدد المعلوم ، ثم من يعتقد أن كلام اللّه تعالى غير قديم ليس يجوز عليه البقاء ، فإذا أمر العبد بفعل فالفعل المأمور به غير موجود في حالة الأمر ، فإذا وجد فالأمر غير موجود لأنه عدم ، فكيف يستبعدون هنا القول بأمر والمأمور معدوم وهم يصرحون بأمر والمأمور به معدوم ؟ وقد أجمع المسلمون على أن موسى عليه السّلام مخاطب الآن بقوله عز وجل ( فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ ) وهو الآن غير مكلف ، فقد بان ما استبعدوا . فلا طائل تحته ، وقد قال تعالى : ونادوا يا مالك ليقض علينا